| النص الكامل للمقابلة الخاصة التي أجراها سفير الصين لدى لبنان تشن تشواندونغ مع صحيفة «البناء». |
|
|
| 2026-08-26 17:53 |
|
ي 10 آب/أغسطس، نشرت صحيفة «البناء» اللبنانية مقابلةً خاصة مع سعادة سفير جمهورية الصين الشعبية لدى لبنان، تشن تشواندونغ. وتناول السفير تشن تشواندونغ في المقابلة السياسة الخارجية الصينية، ومفهوم بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، والمبادرات العالمية الأربع، كما أجاب عن أسئلة الصحفي بشأن خبرات الصين في الحوكمة وإدارة شؤون الدولة، والتعاون الاقتصادي والتجاري والثقافي بين الصين ولبنان، فضلاً عن حوكمة الذكاء الاصطناعي وتمكين المرأة والشباب، وغيرها من القضايا. وفيما يلي النص الكامل للمقابلة:
صحيفة «البناء»: ما هي المبادئ الأساسية التي ترتكز عليها السياسة الخارجية الصينية اليوم؟ وما هي فلسفتها الأساسية؟ السفير تشن تشواندونغ: ومنذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، ظلت السياسة الخارجية الصينية مواكبة لتغيرات العصر والتحولات التاريخية. وهي تستمد نبضها من الحضارة الصينية العريقة، وفي الوقت نفسه تتجدد باستمرار بما يتلاءم مع تطورات العصر. وأود أن ألخص السياسة الخارجية الصينية من خلال خمسة أرقام: «واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة». أولاً، «واحد» يعني هدفاً سامياً واحداً، وهو بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية. فالبشر جميعاً يعيشون على كوكب واحد، ومصائرنا مترابطة، ولذلك ينبغي أن نعمل معاً من أجل جعل العالم مكاناً أفضل وخدمة الخير للجميع. ثانياً، «اثنان» يعني مسارين: الأول هو دفع العولمة الاقتصادية نحو تحقيق المنفعة للجميع، والثاني هو بناء عالم متعدد الأقطاب يتسم بالمساواة والانتظام. ثالثاً، «ثلاثة» تعني ثلاثة مبادئ أساسية للسياسة الخارجية الصينية، وهي الاستقلال، والتنمية السلمية، والتعاون المنفتح. رابعاً، «أربعة» تعني أربع مبادرات عالمية، ويمكن تلخيصها بمعادلة «4+1». المبادرة الأولى هي مبادرة التنمية العالمية، وتهدف إلى معالجة تحديات التنمية العالمية وتعزيز شراكات التنمية. والمبادرة الثانية هي مبادرة الأمن العالمي، التي تدعو إلى بناء رؤية أمنية مشتركة وشاملة وتعاونية ومستدامة، وحل النزاعات والخلافات بين الدول بالوسائل السلمية. والمبادرة الثالثة هي مبادرة الحضارة العالمية، التي تدعو إلى احترام جميع الحضارات والثقافات العالمية، والحفاظ على تنوعها، وتعزيز القيم المشتركة للبشرية. والمبادرة الرابعة هي مبادرة الحوكمة العالمية، التي تركز على المساواة في السيادة، وسيادة القانون الدولي، والتعددية، ووضع الإنسان في صميم الاهتمام، وتعزيز العمل والتنفيذ. أما «+1»، فهي مبادرة الحزام والطريق باعتبارها منصة مهمة للتعاون العملي. ويقوم جوهرها على التشاور والتشارك والبناء المشترك والاستفادة المشتركة، وعلى الانفتاح والشمول والأخضر والنزاهة. خامساً، «خمسة» تعني خمس رؤى جميلة، وهي بناء عالم يسوده السلام الدائم، والأمن الشامل، والرخاء المشترك، والانفتاح والشمول، وعالم نظيف وجميل. وفيما يتعلق بلبنان، فإن الصين تدعم دائماً سيادة لبنان وأمنه وسلامة أراضيه ووحدته الوطنية. ونؤكد باستمرار ضرورة أن تنسحب إسرائيل فوراً وبشكل كامل من الأراضي اللبنانية، وأن تنفذ جميع الأطراف بصورة جدية قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. ويصادف هذا العام الذكرى العشرين لمشاركة الصين في عملية حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان. وقبل بضعة أيام، شاركت في فعالية إحياء هذه الذكرى في الناقورة. وتضطلع قوة حفظ السلام الصينية بصورة رئيسية بمهام إزالة الألغام ومخلفات المتفجرات، وأعمال البناء والهندسة، والخدمات الطبية. وهي لا تعمل فقط من أجل الحفاظ على السلام والاستقرار في جنوب لبنان، بل تقدم أيضاً مساعدات إنسانية إلى الشعب اللبناني. وفي هذه الفترة، قدمت الصين إلى لبنان دفعة من المساعدات الإنسانية لمساعدته على مواجهة الأزمات الحالية، وستصل دفعة أخرى من المساعدات الإنسانية في شهر أغسطس/آب. وأود أن أؤكد مرة أخرى أن الصين صديق للبنان، وتجمع البلدين علاقة أخوة تاريخية، والصين جديرة دائماً بثقة لبنان.
التحول الاقتصادي عالي الجودة والفرص الاستراتيجية للتعاون بين الصين ولبنان صحيفة «البناء»: السفير تشن تشواندونغ: في المرحلة الحالية، لم تعد الصين تركز بصورة أحادية على سرعة النمو الاقتصادي، وإنما تولي اهتماماً أكبر بجودة التنمية. وهذا لا يعني أن التنمية الاقتصادية الصينية أصبحت بطيئة. فعلى سبيل المثال، بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني خلال النصف الأول من هذا العام 4.7%، وهي نسبة مرتفعة بين الاقتصادات الكبرى في العالم. ونركز اليوم بصورة أكبر على تعزيز الابتكار العلمي والتكنولوجي، ودفع التنمية الاقتصادية، وتسريع تنمية القوى الإنتاجية النوعية الجديدة. ومن المعروف أن الصين حققت تقدماً كبيراً في مجال الذكاء الاصطناعي. أما النقطة الثانية فهي التمسك بالانفتاح رفيع المستوى على العالم. فنحن نحقق التنمية الاقتصادية من خلال الانفتاح، وفي الوقت نفسه نوفر من خلال الانفتاح فرصاً للتنمية للدول الأخرى. ومن بين المنصات المهمة في هذا المجال مبادرة الحزام والطريق. كما تسعى الصين إلى ابتكار إجراءات وسياسات جديدة لتعزيز التعاون الاقتصادي مع دول العالم. فقد ألغت الصين القيود المفروضة على دخول الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع التصنيع، كما قررت تطبيق سياسة التعرفة الجمركية الصفرية على الواردات من جميع الدول الأفريقية التي تقيم معها علاقات دبلوماسية. ونحن نرحب بجميع دول العالم بالاستفادة من قطار التنمية الصيني، والعمل معاً من أجل مستقبل أفضل. وفي الوقت نفسه، نلتزم بالتنمية عالية الجودة والتنمية الخضراء منخفضة الكربون. ففي الفترة من يناير/كانون الثاني إلى أبريل/نيسان من هذا العام، شكلت الكهرباء المولدة من مصادر الطاقة المتجددة نحو 40% من إجمالي توليد الكهرباء في الصين. ويرى البعض أن انخفاض اعتماد الصين على واردات النفط والغاز الطبيعي ساهم، إلى حد ما، في تخفيف أزمات الطاقة العالمية. وخلال النصف الأول من هذا العام، بلغت قيمة صادرات الصين من منتجات الطاقة الشمسية نحو 17.1 مليار دولار أمريكي، ولبنان من الدول التي تستورد العديد من معدات الطاقة الشمسية من الصين. وفي العام الماضي، قدمت الصين إلى لبنان معدات للطاقة الشمسية، بما في ذلك لمساعدة شركة أوجيرو على استخدام الطاقة النظيفة في تشغيل خدمات الاتصالات، الأمر الذي ساهم في خفض نفقات الكهرباء. كما تقوم التنمية الصينية على وضع الشعب في المقام الأول. ويبلغ عدد المستفيدين من التأمين الطبي الأساسي في الصين نحو 1.3 مليار شخص، كما توفر الصين أكثر من 12 مليون فرصة عمل سنوياً. وقد أُقرت «الخطة الخمسية الخامسة عشرة» للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهي التي ستوجه التنمية الصينية خلال السنوات الخمس المقبلة، ومن أهم أهدافها مواصلة دفع التنمية عالية الجودة وتعميق الانفتاح على الخارج. وخلال السنوات الأخيرة، ساهم الاقتصاد الصيني بنحو 30% من النمو الاقتصادي العالمي، ولذلك فإن استمرار التنمية الاقتصادية الصينية سيوفر فرصاً واسعة للعالم، بما فيه لبنان. يصادف هذا العام الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين الصين ولبنان. وعندما أقيمت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، كان حجم التجارة الثنائية نحو 10 ملايين دولار أمريكي فقط، بينما بلغ في عام 2025 نحو 2.8 مليار دولار أمريكي. وفي النصف الأول من هذا العام، ورغم الحرب والاضطرابات في المنطقة، بلغ حجم التجارة بين البلدين نحو 1.29 مليار دولار أمريكي. واليوم توجد في الأسواق اللبنانية منتجات صينية أكثر تنوعاً، بما فيها السيارات الكهربائية، ومنتجات الطاقة الشمسية، والشاشات الكبيرة، وغيرها، مقارنة بما كان سائداً في السابق من الملابس والأحذية والأدوات المنزلية. وهذا يعكس التحول الكبير الذي يشهده الاقتصاد الصيني، ولا سيما الدور المتزايد للتكنولوجيا في التنمية الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، نبحث باستمرار عن سبل جديدة لزيادة صادرات المنتجات اللبنانية إلى الصين. فإلى جانب تجارة السلع، توجد إمكانات أكبر للتعاون في قطاع الخدمات. ويتمتع لبنان بمزايا فريدة في مجالات تصميم الملابس والمجوهرات والتصميم الفني، والسياحة، والصناعات الإبداعية، والتسويق وغيرها. وباعتبار الصين صديقاً للبنان، فإن مساعداتنا للبنان لا تفرض أي شروط سياسية، ونحن نحترم ونستمع إلى آراء الجانب اللبناني في تقديم هذه المساعدات. ويجري حالياً استكمال بناء المعهد العالي للموسيقى في ضبيه بتمويل من الصين، وسيكتمل بناء هذا الصرح قريباً. وسيشكل معلماً جديداً في المنطقة، ومنصة مهمة للحياة الثقافية والفنية في لبنان. كما نقدم إلى لبنان العديد من المساعدات المعيشية التي تسهم في التنمية المستدامة، بما فيها معدات الإنارة للمناطق الجبلية النائية والطائرات المسيرة الزراعية. ونعتبر لبنان شريكاً مهماً في مبادرة الحزام والطريق، ولا يعود ذلك إلى موقعه الجغرافي المهم فحسب، بل أيضاً إلى العلاقات التاريخية العريقة بين الصين ولبنان، وإلى الصداقة التي تجمع الشعبين. وهناك عدد متزايد من الأصدقاء اللبنانيين الذين يرغبون في تطوير العلاقات التجارية والاقتصادية مع الصين. وفي عام 2017، وقعت الصين ولبنان مذكرة تفاهم بشأن التعاون في إطار مبادرة الحزام والطريق. ولكن بسبب الأزمات التي مر بها لبنان خلال السنوات الأخيرة، لا يزال التعاون في بعض المجالات في مرحلته التمهيدية. ونتوقع أنه مع تحسن الأوضاع وبدء إعادة الإعمار تدريجياً، ستتاح لنا فرص أكبر للبحث في مشاريع التعاون في إطار مبادرة الحزام والطريق.
الدبلوماسية الثقافية والابتكار الرقمي: جسور التواصل الحضاري والتراثي بين الصين ولبنان صحيفة «البناء»: السفير تشن تشواندونغ: وتنعكس في السياسة الخارجية الصينية العديد من المفاهيم المستمدة من الثقافة الصينية التقليدية، مثل عالم واحد، والانسجام مع الحفاظ على الاختلاف، والوفاء بالعهود وإقامة علاقات الصداقة، والموازنة بين الفائدة والمصلحة، والانسجام بين الإنسان والطبيعة. أما مبادرة الحضارة العالمية، فتركز على احترام تنوع الحضارات العالمية، والدعوة إلى القيم المشتركة للبشرية، والاهتمام بتوارث الحضارات والابتكار فيها. ونحن ندعو إلى أن تحقق الثقافات التقليدية الممتازة في مختلف الدول تحولاً إبداعياً وتطوراً مبتكراً في مسار التحديث. وهذا ما فعلته الصين أيضاً، من خلال دمج الثقافة مع الاقتصاد والتكنولوجيا والسياحة، والاستفادة من التكنولوجيا لتمكين الصناعات الثقافية. فعلى سبيل المثال، يجري استخدام الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع في الصناعة الثقافية الصينية، بما في ذلك إنتاج العديد من الأعمال الفنية والدرامية القصيرة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. كما نستخدم التكنولوجيا الرقمية لتوارث التراث الثقافي الصيني والحفاظ عليه، بما في ذلك استخدام تقنيات الواقع الافتراضي VR والواقع المعزز AR. فعلى سبيل المثال، يمكن تحويل المواقع التاريخية والثقافية مثل القصر الإمبراطوري إلى تجارب رقمية، بحيث يستطيع الزائر، من خلال ارتداء نظارة الواقع الافتراضي، أن يشعر وكأنه موجود داخل هذه المواقع التاريخية. ونولي أيضاً أهمية كبيرة لتحويل هذه الابتكارات إلى منتجات ثقافية وصناعات إبداعية، وقد لاقت بعض المنتجات الثقافية والإبداعية الصينية، مثل لابوبو وأساطير ووكونغ، تقديراً كبيراً من الشباب الصيني والعالمي. إن كلاً من الصين ولبنان يتمتع بتاريخ طويل ومشرق، ولذلك نحرص على الحفاظ على حضاراتنا العريقة وتوارثها وتطويرها. وقد اخترعت الحضارة الفينيقية الأبجدية، بينما تستخدم الصين نظاماً للكتابة مختلفاً تماماً. ومع ذلك، توجد أوجه تشابه جميلة بين الخط الصيني والخط العربي، وهما من أرقى أشكال فن الخط في العالم. وقد نجح أحد الفنانين الصينيين في دمج الخط العربي مع الخط الصيني وابتكار شكل فني فريد. وفي العصر الحديث، أصبحت العلاقات الثقافية بين الصين ولبنان أكثر متانة. فعلى سبيل المثال، تُرجمت أعمال الشاعر اللبناني الكبير جبران خليل جبران إلى اللغة الصينية في عشرينيات القرن الماضي. كما وقعت الصين ولبنان اتفاقية ثقافية عام 1992. وفي عام 2006، تعاونت جامعة القديس يوسف مع مؤسسة تعليمية صينية في إنشاء معهد كونفوشيوس، وهو أول معهد من نوعه في منطقة الشرق الأوسط. وهناك أيضاً تعاون جيد بين الصين ولبنان في إطار منظمة اليونسكو وغيرها من المؤسسات متعددة الأطراف، بما في ذلك التعاون في حماية التراث الثقافي اللبناني، وخاصة التراث الثقافي في المناطق التي تضررت خلال الحروب. ولطالما قدمت الصين دعماً مستمراً للبنان في هذا المجال. كما تحظى الفرق الفنية والتراثية اللبنانية بشعبية كبيرة في الصين، ومن بينها فرقة كركلا التي قدمت عروضاً فنية راقية وناجحة في الصين. وفي هذا العام، قامت أيضاً فرقة لبنانية للدمى بجولة فنية في الصين، وفي نهاية هذا العام سيزور فنان صيني معروف لبنان لتقديم عروض فنية. وأتمنى أن يصبح المعهد العالي للموسيقى منصة راقية للتبادل الثقافي بين الصين ولبنان. كما يؤدي لبنان دوراً مهماً في التعاون الثقافي بين الصين والدول العربية، والفنانون اللبنانيون يساهمون في تعزيز التواصل بين الصين والعالم العربي. لدينا مفاهيم مشتركة وتجارب وافرة في هذا المجال، ولذلك أنا على ثقة تامة بأن التعاون الثقافي بين الصين ولبنان سيستمر وينجح في المستقبل.
نحو نظام عالمي عادل لحوكمة الذكاء الاصطناعي: رؤية الصين ومجالات التعاون المستقبلية صحيفة «البناء»: السفير تشن تشواندونغ: ولذلك فإن تعزيز الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي أصبح موضوعاً مهماً وملحاً. وموقف الصين هو أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يسعى إلى الخير الشامل، ويخدم مصالح شعوب العالم، وأن يكون آمناً وعادلاً وتعاونياً. والأهم في هذه المبادرة هو وضع الإنسان في صميم الاهتمام والسعي إلى الخير. وفي يوليو/تموز من هذا العام، وخلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي في شنغهاي، طرح الرئيس شي جين بينغ أربع نقاط مهمة بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي. أولاً، التمسك بالانفتاح والمشاركة والشمول، وجعل الذكاء الاصطناعي قوة لتمكين التنمية في مختلف القطاعات والصناعات. ثانياً، تعزيز الوعي بالمخاطر وضمان الأمن وقابلية التحكم، من خلال تطوير القوانين واللوائح المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وتنفيذها، والاستفادة من التكنولوجيا والحوكمة بصورة واعية وناضجة. ثالثاً، استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز التواصل بين الحضارات، وعدم استخدامه لخلق النزاعات والخلافات والحواجز بين الحضارات. رابعاً، العمل معاً على تعزيز الحوكمة العالمية. ومن أجل ذلك، يجب احترام الدور المركزي للأمم المتحدة في الحوكمة العالمية، وعلى جميع دول العالم أن تتشاور وتنسق فيما بينها من أجل بناء توافق واسع بشأن كيفية استخدام هذه التكنولوجيا. وانطلاقاً من هذه السياسات، طبقت الصين العديد من الإجراءات. ففي عام 2023، طرحت الصين مبادرة حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمي، وقدمت من خلالها رؤيتها بشأن الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي. كما بادرت الصين إلى إنشاء منظمة دولية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، وقد وقعت 29 دولة حتى الآن على الاتفاقية الخاصة بها، ويقع مقر المنظمة في شنغهاي. وتتمثل مسؤولية هذه المنظمة في تعزيز بناء القدرات في مجال استخدام الذكاء الاصطناعي، وجعل الدول النامية تستفيد بصورة متساوية من تطور هذه التكنولوجيا. وخلال السنوات الخمس المقبلة، ستقدم الصين للدول النامية 5000 فرصة للتدريب في مجال الذكاء الاصطناعي. كما تسعى الصين إلى بناء مراكز دولية للتعاون في تطبيقات الذكاء الاصطناعي بالتعاون مع جامعة الدول العربية، ورابطة دول جنوب شرق آسيا، والاتحاد الأفريقي، ودول بريكس. وقد تشاورت مع العديد من الأصدقاء اللبنانيين، بمن فيهم عدد من المسؤولين، حول المجالات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وبحثنا سبل تعزيز تطبيق هذه التكنولوجيا والتعاون بين الصين ولبنان. يمتلك لبنان نظاماً تعليمياً وأكاديمياً متقدماً، ويزخر بالكفاءات والمواهب، ولذلك أعتقد أن لبنان يتمتع بمزايا جيدة في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي. وأتوقع المزيد من التعاون النافع والمتبادل بين بلدينا في هذا المجال.
نموذج الحوكمة الرشيدة ذات الخصائص الصينية وتجارب التنمية المستدامة صحيفة «البناء»: السفير تشن تشواندونغ: وقد أسهم هذا النموذج في تحقيق معجزتين، هما التنمية الاقتصادية السريعة والاستقرار الاجتماعي طويل الأمد. ويمكنني تلخيص هذا النموذج في جوهر واحد، ودعامتين، وثلاث خصائص، وأربع مزايا. الجوهر الأول هو قيادة الحزب الشيوعي الصيني، والتنسيق بين مختلف الأطراف من خلال منظومة تنظيمية وتنفيذية منتشرة في جميع أنحاء البلاد، حولت الإرادة الاستراتيجية للدولة إلى إجراءات ملموسة. ويضم الحزب الشيوعي الصيني أكثر من 100 مليون عضو، ويحمل أعضاؤه أهدافاً ومفاهيم مشتركة، وهو ما يوفر قدرة كبيرة على تعبئة الموارد وتنفيذ الاستراتيجيات. وفي الوقت نفسه، يدرك الحزب الشيوعي الصيني، باعتباره حزباً كبيراً يتولى الحكم على المدى الطويل، أنه يواجه تحديات عديدة، ولذلك يلتزم بالإصلاح الذاتي باعتباره مفتاحاً لمعالجة التحديات التي يواجهها. ويتم التأكيد على أن من يتمتع بالسلطة يجب أن يتحمل المسؤولية، ومن يتحمل المسؤولية يجب أن يؤديها بصورة جيدة، ومن يقصر في أداء مسؤولياته يجب أن يخضع للمساءلة. أما دعامتا هذا النظام فهما ممارسة الشعب لسلطته وتعزيز سيادة القانون. وتتمثل أبرز خصائصه في وضع الشعب في صميم الاهتمام، والديمقراطية التشاورية، والتخطيط الاستراتيجي. ويهدف الحكم في الصين إلى الاستجابة لتطلعات الشعب وتأمين حياة أفضل له، والعمل على أن يستفيد الشعب بأكمله من إنجازات التنمية. ونحن نطمح أيضاً إلى بناء ديمقراطية شعبية كاملة العملية، ولا نهتم فقط بإجراءات الديمقراطية، بل نهتم بجوهرها. فالديمقراطية الصينية لا تتمثل فقط في الانتخابات، بل تشمل أيضاً المشاورات السياسية. وقبل اتخاذ القرارات المهمة، تتم المشاورات على مستويات ومراحل مختلفة، والاستماع إلى آراء مختلف الأطراف. كما أن الخطط الطويلة الأمد تساعد على ضمان استمرارية السياسات والاستقرار الوطني. وبفضل هذه الخصائص، تتمتع الحوكمة الصينية بعدة مزايا، من بينها الاستقرار والكفاءة والمرونة والإنصاف. فالخطط طويلة الأمد تسهم في تحقيق الاستقرار. ولا تقتصر هذه الخطط على السنوات الخمس المقبلة، بل تشمل أيضاً أهدافاً بعيدة المدى لعام 2035 وأهدافاً لعام 2049. وهذه الخطط ليست مجرد وثائق، بل تساعد الحكومة على ترتيب أعمالها، كما توفر للسوق توقعات واضحة بشأن المجالات التي يُنصح بالاستثمار فيها. وبالإضافة إلى ذلك، تتمتع الصين بقدرة تنفيذية فعالة. ويساعد هذا النظام على توزيع الموارد بصورة فعالة وتجنب التعطيل المتبادل بين المصالح المختلفة. أما المرونة، فتعني أن السياسة الصينية تتمتع بقدرة عالية على التكيف. ففي الوقت الذي نحافظ فيه على الأهداف طويلة الأمد، يمكننا تعديل سياساتنا وفقاً للتغيرات في الظروف الداخلية والخارجية. ومن الأمثلة على ذلك نموذج »«التجربة ثم التعميم، حيث يتم اختبار بعض الإصلاحات في مناطق أو مجالات محددة، ثم تعميم التجارب الناجحة. ويساعد هذا النموذج على تجنب المخاطر والتكيف مع المتغيرات الكبيرة. أما الإنصاف، فيعني تمكين مختلف الفئات من الاستفادة من التنمية الاقتصادية. وهناك نقطة مهمة أخرى في نموذج التنمية الصيني، وهي التمسك بالسلام. فالصين ترى أن البيئة السلمية ضرورية للتركيز على التنمية الاقتصادية، وأن التعاون الدولي المستدام يجب أن يقوم على مفهوم الكسب المشترك. ويختلف نموذج الحوكمة الصيني عن الأنظمة الأخرى لأنه يتناسب مع الظروف الوطنية والثقافة الصينية. ونحن مستعدون لتبادل تجارب حوكمة الدولة مع الدول الأخرى، ولكن ينبغي أن يكون هذا التبادل قائماً على أساس المساواة، وليس بهدف فرض المفاهيم الصينية على الدول الأخرى. وقد أكدت نقطتين خلال مؤتمر الحوكمة والتبادل بين الأحزاب السياسية الذي استضافته السفارة. النقطة الأولى هي دعوة الأحزاب اللبنانية إلى الانطلاق من الظروف الوطنية اللبنانية، وحشد توافقات اجتماعية أوسع، والبحث عن طرق مناسبة لتحقيق التنمية والحوكمة المستدامة في لبنان. والنقطة الثانية هي أن تعمل جميع الأحزاب اللبنانية على تعزيز الوحدة بين مختلف فئات الشعب اللبناني. ويحافظ الجانب الصيني على علاقات وطيدة وجيدة مع جميع الأحزاب اللبنانية، ونتمنى مواصلة تمتين هذه العلاقات وتطويرها.
تمكين المرأة والشباب: ركائز أساسية للتنمية الشاملة والتعاون بين الصين ولبنان صحيفة «البناء»: السفير تشن تشواندونغ: قبل نحو مئة عام، كان دور المرأة محدوداً جداً، ولم تكن تتمتع بحرية اختيار الزواج، كما كانت هناك تقاليد وممارسات تلحق الضرر بجسد المرأة. وبعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، حدث تحول كبير في مجال تحرير المرأة الصينية، وارتفعت مكانة المرأة بصورة ملحوظة. وفي إطار عملية التحديث الصيني، نولي أهمية كبيرة أيضاً لقضية تمكين المرأة. وهناك مثل صيني مشهور يقول:«المرأة تحمل نصف السماء». واليوم، تشكل النساء أكثر من 40% من إجمالي العاملين في الصين، وتبلغ نسبة النساء العاملات في مجال العلوم والتكنولوجيا 45.8%، كما تشكل النساء نسبة كبيرة من رواد الأعمال في مجال الإنترنت. وخلال الدورات الأربع الأخيرة من الألعاب الأولمبية، شكلت النساء أكثر من 60% من الحاصلين على الميداليات. وفي وحدات الحوكمة الأساسية على مستوى المجتمعات المحلية، تبلغ نسبة النساء 54.3%. ولذلك يمكن القول إن النساء يشاركن في جميع المجالات، بما فيها السياسة والاقتصاد والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا. كما تشارك الصين بنشاط في الجهود الدولية لتمكين المرأة. ففي عام 1995، استضافت الصين المؤتمر العالمي الرابع للمرأة. وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، عقدت الصين قمة عالمية للمرأة بمشاركة العديد من الدول. وأعلن الرئيس شي جين بينغ عن تقديم 10 ملايين دولار أمريكي إلى هيئة الأمم المتحدة للمرأة، بالإضافة إلى دعم صندوق التنمية العالمية والتعاون بين بلدان الجنوب، وتعزيز مشاريع التعاون الرامية إلى دعم تنمية المرأة. ولبنان من الدول العربية الرائدة في مجال تمكين المرأة، وكان من أوائل الدول التي منحت المرأة حق التصويت. كما توجد في لبنان نساء متميزات جداً في مجالات الإعلام والصحافة وغيرها. ونحن نرغب بشدة في تعزيز التعاون والتواصل بين الصين ولبنان في مجال النهوض بالمرأة والمساواة بين الجنسين. أما بالنسبة إلى الشباب، فهم مجموعة مهمة جداً، وهم مستقبل الصين. تضم الصين عدداً كبيراً من الشباب، وفي الوقت نفسه تواجه تحديات في توفير فرص العمل للخريجين مع التغير المستمر في هيكل الاقتصاد. وتعتبر الحكومة الصينية الشباب مورداً استراتيجياً مهماً، ولذلك وضعت سياسات وخططاً خاصة بتنمية الشباب، باعتبارهم جزءاً مهماً من التقدم الاجتماعي والاقتصادي. ونحن نوفر للشباب المزيد من الفرص لتمكينهم في مجالات الابتكار، مثل أبحاث الأقمار الصناعية والفضاء، والشركات التكنولوجية الحديثة، حيث يقل متوسط أعمار العديد من العاملين فيها عن 30 عاماً. وقد أجريت حوارات مع العديد من الشباب اللبنانيين، ووجدت أنهم يتمتعون بمستوى عالٍ من الكفاءة والأخلاق. وفي العام الماضي، شاركت في فعالية تنموية نظمت بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وكان الهدف منها تعزيز التعافي الاقتصادي والاجتماعي بعد جائحة كورونا، وتوفير فرص تدريب للشباب والنساء، ومساعدتهم على إنشاء مشاريع ريادية، ولا سيما في مجال التجارة الإلكترونية. كما تقدم الصين فرصاً عديدة للشباب اللبناني للمشاركة في برامج التدريب في الصين، وفي هذا العام سنستقبل أكثر من مئة شاب وشابة للمشاركة في برامج تدريبية.
التعاون الأكاديمي والمنح الدراسية صحيفة »البناء»: السفير تشن تشواندونغ: وتشمل هذه البرامج الدراسة الجامعية والدراسات العليا، وكذلك فرص التدريب في مختلف التخصصات. كما أن بعض برامج الدراسات العليا تُدرّس باللغة الإنكليزية. ونحن نعمل أيضاً على إعداد برنامج منحة السفير الصيني، بهدف دعم الطلاب اللبنانيين في دراستهم داخل لبنان، وكذلك مساعدتهم مستقبلاً على الدراسة في الصين.
|

